الحوارات والاتفاقات، لماذا لم تفضِ إلى إنفراج سياسي؟بخلاف ما يحصل عادة في كثير من البلدان فإن معظم الحوارات والاتفاقات التي تمت بين منظومة الأحزاب السياسية اليمنية(سلطة ومعارضة) لم تؤدِ في الأغلب الى حل أزمات البلاد وإحداث إنفراج سياسي يقود بالتالي إلى أوضاع آمنة ومستقرة ينشغل فيها المجتمع بحركة البناء والاعمار وتتعزز من خلالها التجربة الديمقراطية، وتتجذر مبادئ الحرية والمشاركة والتداول السلمي للسلطة عبر نظام انتخابي أكثر نزاهة وشفافية ومنظومة تشريعات تكفل حقوق الجميع بدرجة متساوية وتحمي حرية اختيارهم وتضمن سلامة انتقال السلطة بسلاسة وتداولها سلمياً، وكظاهرة سياسية متكررة في النموذج اليمني فإن الازمات والمحن عادة ما تشتعل عقب كل اتفاق يجري التوقيع عليه بين الاطراف السياسية.
عادل أمين
الهروب صوب الأزمات
أثناء تفاقم الأزمة السياسية الشهيرة بين طرفي الأئتلاف الحاكم في السنوات الثلاث الأولى للوحدة شُكلت في نوفمبر 93م ما سُمي آنذاك لجنة حوار القوى السياسية، والتي خرجت بوثيقة العهد والاتفاق، حيث جرى التوقيع عليها في 20 فبراير94م من قبل جميع أطراف المنظومة السياسية اليمنية حينها، لكن وعوضاً عن أن تتجه الجهود صوب تنفيذ ما جاء في تلك الوثيقة للخروج من الوضع المتأزم فقد انفجر الوضع برمته، واندلعت حرب صيف 94م بعد ثلاثة أشهر فقط على توقيع تلك الاتفاقية، ومنذ ذلك الحين لم تعد للبلد عافيته، وبقي يتقلب على جمر الأزمات حتى يومنا هذا.
وفي العام 2006م وقبيل حلول موعد الانتخابات الرئاسية والمحلية كانت أحزاب المعارضة قد توصلت في يونيو من العام نفسه الى توقيع اتفاق مبادئ مع الحزب الحاكم لضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهه في حدها الأدنى، ونص الاتفاق على ضرورة إجراء حزمة اصلاحات في المنظومة الانتخابية بما في ذلك إعادة تشكيل اللجنة العليا للانتخابات وتصحيح السجل الانتخابي، على أن يتم ذلك عقب الانتهاء من الانتخابات مباشرة، وللتأكيد على أهمية الأمر عاودت الأطراف نفسها التوقيع مرة اخرى في الحادي عشر من ديسمبر 2006م على توصيات بعثة الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالإصلاحات الانتخابية بحضور الأخيرة كشاهد وراعي للاتفاق، لكن وبدلاً من التوجه لتنفيذ ماورد في الاتفاق من تعهدات التزمت بها السلطة للمعارضة والاتحاد الأوروبي لم تلبث الأوضاع أن سارت في إتجاه مختلف تماماً، فانفجرت الحرب الرابعة مع الحوثيين في 27 يناير2007م، أي بعد أربعة أشهر فقط على تلك الانتخابات، تلاها على الفور انطلاق فعاليات الحراك الجنوبي السلمي في 24مارس من العام نفسه، وهو ما أدخل البلد في دوامة جديدة من الأزمات وعلى جبهتين شمالية وجنوبية، وكان من نتائج ذلك أن ضاع اتفاق المبادئ وتوصيات بعثة الاتحاد الأوروبي في زحمة الأزمات، ونُظر إليهما على أنهما شيئاً من الماضي الذي لا يتعين الوقوف عنده كثيراً.
بيد أن المعارضة سلكت طريق الحوار مجدداً باعتباره خياراً استراتيجياً لابديل عنه، وطيلة عامين كاملين خاضت مع الحزب الحاكم تجربة حوار مريرة إنتهت آخر المطاف بالتوقيع على اتفاق فبراير 2009م الذي توافقت من خلاله السلطة والمعارضة على تأجيل الانتخابات البرلمانية حتى العام 2011م، ومن ثم التمديد لمجلس النواب الحالي عامين كاملين، شريطة أن يشرع الطرفان الموقعان خلال الفترة المتبقية في إجراء التعديلات الدستورية والانتخابية، ويباشرا إعادة تشكيل اللجنة العليا للانتخابات، لكن ومرة أخرى وكما يجري دائماً تم تجميد الاتفاق وتعطل مشروع الاصلاح والتغيير ليفسح المجال أمام مشروع أزمة جديدة تمثلت في حرب سادسة في صعده استنزفت الوقت والجهد والمال، واستفرغت الطاقات بعيداً عن اتفاق فبراير، واستهلكت أولى سني الاتفاق في غير ذي طائل، وجرى الهروب من بنود الاتفاق ليبدأ الأستقواء بالأغلبية المريحة في البرلمان الذي لولا ذلك الاتفاق السياسي ماكان ليقدر على أن يمدد لنفسه عامين إضافيين.
ترحيل الأزمات
اللافت أيضاً أن الانتخابات العامة( رئاسية- نيابية- محلية) التي يمكن اعتبارها أحد أشكال التوافق السياسي بين السلطة والمعارضة وأحد أبرز مظاهر اتفاقاتها الموقعة، لم تفضِِِ هي الأخرى إلاّ الى مزيد من تأزم الأوضاع وتعقيدها، في الوقت الذي كان يُنتظر منها أن تعمل على حلحلة الأزمات وتفكيكها وصولاً الى إنفراج سياسي داخلي شامل وفي مقدمتها ازمة الانتخابات باعتبارها بوابة الاصلاح السياسي الشامل، وهي الأزمة التي صاحبت قيام الوحدة والتعددية الحزبية، وظلت لصيقة بأزمتها السياسية، إذ حتى اليوم لم تعمل التجربة الانتخابية اليمنية منذ انطلاقتها على مراكمة رصيدها في النزاهة والشفافية والحياد، كما لم تطور التجربة نفسها لا في مجال التشريعات وحسب بل وفي الآليات كذلك، بالرغم من أن الاتفاقات المتتالية نصت على ذلك، لكنها للأسف لم تدخل حيز التفيذ وظلت حبراً على ورق.
لقد وقفت السلطة بقوة في وجه الإصلاحات، وعملت بكل السبل الممكنة على تعطيلها بما فيها تلك التي وردت في اتفاقاتها مع أحزاب المعارضة، وأجادت إدارة لعبة الأزمات للهروب من كل تعهداتها واتفاقاتها الموقعة مع المعارضة، ومن خلال سياسة الأزمات تلك جرى خلط الأوراق بشكل مكثف بقصد تمييع القضايا الوطنية من جهة وتصوير المعارضة على أنها جزء من الأزمة من جهة ثانية، في ذات الوقت الذي تم الإيحاء للخارج بأن حل تلك الأزمات رهن ببقاء السلطة وتقديم كل أشكال الدعم السياسي والاقتصادي لها باعتبارها أفضل الخيارات المتاحة- رغم فشلها وفسادها- قياساً على الخيارات الأخرى التي جرى تقديمها على أنها متنافرة ومتعارضة الأهداف وغير مؤهلة، فضلاً عن أنها معادية، ومصالحها متعارضة كلية مع مصالح الخارج، كما أن ضعف المعارضة في محو تلك الصورة الشوهاء التي رسمت لها في أذهان اللاعبين الدوليين والإقليميين، بالإضافة إلى الأحكام المسبقة التي سيطرت على عقلية هؤلاء تجاه المعارضة لعبت دوراً مهماً في استقواء السلطة واستعلائها عليها، وعدم مبالاتها بما توقعه معها من اتفاقات.
على أن السلطة حرصت كذلك على إبقاء ملفات أزماتها مفتوحة من خلال إصرارها على عدم الأخذ بأية سياسات أو إجراءات إصلاحية جادة كما تطالب المعارضة، كي يسهل استخدامها فيما بعد كأوراق ضغط وابتزاز في مواجهة شركاء الداخل والخارج، فالسلطة تعي جيداً أن أية إصلاحات حقيقية تنجح المعارضة في الوصول إليها سواءً عبر اتفاقاتها المبرمة مع السلطة أو حتى عبر الضغوط الخارجية التي ربما يمارسها المانحون الدوليون بين الحين والآخر في إطار أهدافهم الخاصة ستُخصم من رصيد مصالحها، إذ أنها ستحد من صلاحياتها، وستنحت ببطء من نفوذها وسيطرتها كقوة ما زالت مستأثرة بكل شيء، وما زالت تظن أن من حقها وحدها أن تُشّرع وتصنع القوانين كيفما تشاء، وتُُدخل التعديلات التي تراها هي مناسبة وتخدم مصالحها، ولهذا السبب هي حريصة على إعاقة وتعطيل حركة سير أحزاب المعارضة في اتجاه الإصلاحات التي تطالب بها عبر تلك الاتفاقات التي يجري التوصل إليها بعد جهد شاق ومضن ثم لا تجد طريقها إلاّ إلى سلة المهملات، وبهذا الشكل تبقى الأزمات مرحلة من حوار إلى حوار، ومن اتفاق إلى آخر، ولا تتمكن المعارضة من انتزاع مطالبها بسبب افتقارها لأوراق الضغط أو بمعنى أصح لعدم رغبتها في اللجوء إليها حرصاً منها على عدم تأزيم الأوضاع بأكثر مما هي متأزمة، ولأن السلطة مدركة لنفسية المعارضة هذه وطريقتها في التفكير فهي تمعن في الرفض وعدم الاستجابة لمطالبها مهما بدت دستورية وقانونية أو حتى منطقية باعتبارها جاءت عبر توافق سياسي لا يجوز بحال التنصل منه.
اليوم يجري الهروب مرة أخرى إلى أزمة جديدة في الجنوب عبر عسكرة القضية الجنوبية وجعلها بؤرة صراع جديدة، بعدما تم إخماد أو تهدئة الصراع على الجانب الشمالي، وبحسب البعض فإن ثمة محاولة تجري لإغراق الشركاء الدوليين في المستنقع الجنوبي مثلما جرى من قبل إغراق الجارة الكبرى في مستنقع صعده، ومثلما تم إهدار سنة كاملة من زمن اتفاق فبراير في أزمة صعده يبدو أن السيناريو نفسه سيتكرر على الجبهة الجنوبية التي يجري الأن تسخينها بوتيرة عالية لابتلاع ما تبقى من وقت الاتفاق استعداداً لإجراء الانتخابات البرلمانية القادمة بشروط المؤتمر أو لنقل بالحد الأدنى من شروط المعارضة كما جرت العادة.
وستبقى كل اتفاقات المعارضة مع السلطة حبراً على ورق، ولن تفضي إلى أي انفراج سياسي أو حل لأزمات البلد المتفاقمة، ولن تؤدِ إلى أية إصلاحات سياسية أو انتخابية أو اقتصادية كما تريد المعارضة ومن خلفها القوى الشعبية والاجتماعية المؤيدة لها ما لم تمتلك أدوات التغيير وتتخذ قراراً شجاعاً باللجوء إليها كون الوقت قد حان لعمل لذلك، ولم يعد بالإمكان تفويت الفرصة وإهدار المزيد من الوقت، فالمتغيرات الداخلية والخارجية متسارعة، وهي لا تنتظر لأحد، ولعل الجميع بات يعي جيداً أن من يكسب في النهاية ليس هو الأقوى بل الأسرع.








رد مع اقتباس
