أحمد محمد عبدالغني
إعلان وقف الحرب السادسة في صعدة، أخذ الناس يتطلعون إلى الإجراءات العملية التي سيتم اتخاذها من أجل حل مختلف الأزمات التي أنهكت الوطن اليمني واستنزفت إمكانياته وخيراته وقدمته إلى العالم بؤرة قلق إقليمي ودولي، بسبب السياسات والممارسات الخاطئة..
لكن ما يبدو حتى الآن هو أن السلطة مرتبكة وغير قادرة على تحقيق طموحات الناس وآمالهم في التنمية والاستقرار السياسي والاجتماعي وإعادة روح الشراكة الوطنية إلى مستوياتها الحقيقية، وخلق حالة من الاطمئنان المجتمعي والتأكيد على جدية ومصداقية التوجهات القادمة.. وإذا كانت السلطة قد شعرت بأن ما صدر عن اجتماع لندن حمل لها مؤشرات تعزيز ثقة المجتمع الدولي بها، الأمر الذي جعلها تشعر بخيلاء الانتصار الزائف، فراحت تطلق العنان لخطاب الشتائم والسخرية وتعلن عن إيقاف الحوار مع القوى الوطنية وتفتح لها عداوات جديدة بصورة تعكس حالة من التخبط الهستيري الذي يُخفي في ثناياه عمق الأزمة التي تعيشها السلطة نفسها.. فما هي إلا أيام قلائل حتى انعقد لقاء الرياض للمانحين (27-28 فبراير 2010م) حيث جاءت ترتيباته ومجرياته ونتائجه بالاتجاه المعاكس لما كانت تطرحه وتروج له السلطة، ولم يكن لهذا اللقاء من مخرجات واضحة سوى أنه حمل لهذه السلطة رسالة قوية مفادها أن حل مشكلات اليمن هو بأيدي أبنائه، وأن اليمن بحاجة إلى استراتيجية وطنية شاملة تضع حداً للحروب العبثية وتتعاطى مع كل الأزمات والاحتقانات التي تعيشها الساحة اليمنية بانفتاح صادق وإرادة جادة تضع مصلحة اليمن فوق كل اعتبار وتتعامل مع مكونات الشعب اليمني على قدم المساواة، دون تمييز أو تفرقة..
ولا شك أن الدولة هي وحدها من يتحمل مسئولية ما وصلت إليه البلاد من تدهور تام، بحكم سيطرتها على كل شيء ومُصادرتها لكل الإمكانيات، فهي من قامت بإقصاء وتهميش كل الفرقاء السياسيين، وهي من جمدت الطاقات والكفاءات والخبرات، وحطمت التراكمات التي حققها البنيان الإداري والمعرفي خلال عقود، وعملت جاهدة على إعادة عجلة المسار المجتمعي إلى المربعات الأولى، في سابقة خطيرة لم تعرفها أكثر دول العالم تخلفاً، ثم هي من حولت الوطن إلى ساحة مستباحة من قبل جهابذة الفساد ومجموعات نهب المال العام..
وبالتأكيد فإن السلطة الحاكمة أصبحت ملزمة بإعادة قراءة الحقائق الماثلة بصورة صحيحة.. فالاعتماد على الخارج لا يمثل ضمانة أكيدة، وللخارج حساباته المستندة على قاعدة الواقع السليم.. ومفهوم الواقع السليم لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال شراكة وطنية لا تستثني أحداً.
وبالتالي فإن التنازلات التي تُقدم للخارج لن تؤتي ثمارها المرجوة مهما كان حجمها أو نوعها، فهي بحاجة أصلاً إلى تنازلات سابقة ولاحقة على مستوى الداخل، وذلك في إطار التعاطي مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية والثقافية، وفق رؤية موضوعية وعملية، قابلة للتطبيق السريع وقادرة على إيجاد حالة من الثقة والاطمئنان العام، فهذا هو السند الحقيقي لإنجاح الإصلاحات المأمولة، وربما لم يعد أمام السلطة من خيار سوى إجراء عمليات جراحية كبيرة قد تصل في بعض جوانبها إلى حد استئصال الأورام (....).. أما الحلول الترقيعية فإنها لن تكون قادرة على سد الثغرات والفجوات، وما يمكن أن تقوم به مثل هذه الحلول هو ترحيل المشكلات إلى الأمام ومضاعفتها، فتزداد القضايا تعقيداً وتكون النتائج أكثر إيلاماً..










رد مع اقتباس
